عمان ١١ آب (مجلس الأعيان)- أكدت العين الأستاذة الدكتورة سهاد الجندي أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تطور تقني أو أداة لتحسين الإنتاجية، بل أصبح عنصرًا استراتيجيًا جديدًا يعيد تشكيل الاقتصادات والمجتمعات ومصادر القوة والتنافس بين الدول، الأمر الذي يستدعي التعامل معه باعتباره قضية تنموية واقتصادية وتشريعية وأمنية في آن واحد.
جاء ذلك خلال محاضرة قدمتها، يوم الثلاثاء، في جمعية الشؤون الدولية بعنوان «الذكاء الاصطناعي: التحول الكبير القادم للدول»، تناولت خلالها التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، وأبرز المفاهيم المرتبطة بها، والتحولات الاقتصادية والاجتماعية المتوقعة، إضافة إلى أبعاد السباق العالمي على الذكاء الاصطناعي وانعكاساته على مستقبل العلاقات الدولية.
وأشارت الجندي، بحضور رئيس الوزراء الأسبق الدكتور عدنان بدران، إلى أن مفهوم القوة الوطنية يتسع اليوم ليشمل، إلى جانب عناصر القوة التقليدية، امتلاك البيانات والقدرات الحاسوبية والطاقة والمواهب والبحث العلمي والابتكار والقدرة على تطوير الأطر التشريعية والتنظيمية، لافتة إلى أن التنافس العالمي لم يعد يقتصر على تطوير أفضل النماذج والتطبيقات، وإنما أصبح سباقًا متكاملًا على الرقائق الإلكترونية ومراكز البيانات والطاقة والكفاءات البشرية والمعايير التي ستحكم استخدام الذكاء الاصطناعي عالميًا.
كما أشارت إلى التحرك المتسارع في المنطقة العربية للاستثمار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والقدرات الحاسوبية، مؤكدة أن هذا التحول يفتح نافذة استراتيجية أمام المنطقة للانتقال من الاقتصادات القائمة بصورة رئيسية على الموارد التقليدية إلى اقتصادات تجمع بين الطاقة والمعرفة والحوسبة والابتكار.
وحذرت الجندي في الوقت ذاته من اتساع فجوة رقمية جديدة بين الدول، بحيث تصبح بعض الدول منتجة للتكنولوجيا والنماذج والمعايير، فيما تظل دول أخرى مجرد مستهلك لها، مشددة على أن السيادة الرقمية وبناء القدرات الوطنية سيصبحان من العناصر المهمة في حماية المصالح الوطنية وتعزيز قدرة الدول على اتخاذ قرارات مستقلة في عصر الذكاء الاصطناعي.
وفي الشأن الأردني، أكدت الجندي أن الأردن لا يحتاج إلى منافسة القوى الكبرى في جميع حلقات صناعة الذكاء الاصطناعي، وإنما إلى تحديد مجالات استراتيجية يمتلك فيها ميزات نسبية يمكن تحويلها إلى ميزات تنافسية، وفي مقدمتها رأس المال البشري، والتعليم والجامعات، والصحة والذكاء الاصطناعي الطبي، واللغة والمحتوى العربي، والحكومة الرقمية، والحوكمة المسؤولة للذكاء الاصطناعي.
وشددت على أن الاستثمار في الإنسان يجب أن يكون في صميم الاستعداد الوطني لهذه المرحلة، من خلال تعزيز الثقافة والمهارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وتطوير التعليم والتدريب والبحث العلمي، وبناء مؤسسات قادرة على التكيف مع سرعة التطور التكنولوجي، إلى جانب إيجاد أطر تشريعية مرنة تحقق التوازن بين تشجيع الابتكار وحماية المجتمع والحقوق والمصلحة الوطنية.
واختتمت الجندي محاضرتها بالتأكيد على أن السؤال الاستراتيجي لم يعد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغير العالم، لأن هذا التحول بدأ بالفعل، وإنما أين سيكون موقع الأردن في العالم الذي سيصنعه الذكاء الاصطناعي، وكيف يمكن الانتقال من استهلاك التكنولوجيا إلى توظيفها والمشاركة الفاعلة في تشكيل مستقبلها.
وشهدت المحاضرة حضورًا نوعيًا ضم نخبة من القامات السياسية والوطنية، وعددًا من الوزراء السابقين وأعضاء مجلس الأعيان السابقين والأكاديميين والشخصيات العامة، حيث أثرى الحضور النقاش بمداخلات وتساؤلات معمقة تناولت الأبعاد السياسية والاقتصادية والأمنية والمجتمعية للذكاء الاصطناعي، ومستقبل التنافس الدولي في هذا المجال، إلى جانب الفرص والتحديات التي يفرضها على الأردن، بما عكس أهمية توسيع الحوار الوطني حول موقع المملكة وخياراتها الاستراتيجية في عصر الذكاء الاصطناعي