عمان - 30 حزيران (مجلس الأعيان) – أكدتا مساعد رئيس مجلس الأعيان، العين سهير العلي، ورئيس لجنة مبادرة الحوار الوطني الشبابي في المجلس، العين الدكتورة محاسن الجاغوب، أن الابتكار والتحول الرقمي يشكلان ركيزتين أساسيتين لتمكين الشباب، وتطوير منظومة التعليم، وتعزيز الاقتصاد المعرفي، بما ينسجم مع رؤى التحديث الوطني وتوجيهات جلالة الملك عبدالله الثاني وسمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد.
جاء ذلك خلال مشاركتهما في أعمال المؤتمر العربي الثاني عشر لأبحاث الموهبة والتفوق، الذي استضافته الجامعة الأردنية، برعاية الأستاذ الدكتور نذيرعبيدات، رئيس الجامعة ، ويعقد على مدى يومين، تحت عنوان "الابتكار والمحتوى الرقمي في التعليم"، بمشاركة نخبة من الباحثين والأكاديميين والخبراء، لمناقشة أحدث الممارسات والرؤى في مجالات الابتكار، والتعليم، والموهبة، والتحول الرقمي.
بدورها ، قدمت العين العلي، ورقة بعنوان "الابتكار والريادة عند الشباب"، أكدت فيها أن الابتكار وريادة الأعمال يشكلان ركيزة أساسية لتمكين الشباب وبناء اقتصاد قائم على المعرفة، مشيرة إلى أن الريادة لا تبدأ بفكرة مجردة، وإنما بفهم مشكلة حقيقية وتطوير حل عملي قابل للنمو والتوسع، بما يحقق قيمة اقتصادية ومجتمعية مستدامة. كما بينت أن تحويل الأفكار إلى مشاريع ناجحة يتطلب المرور بمراحل تبدأ بفهم احتياجات السوق واختبار الفكرة مع العملاء، وصولًا إلى بناء نموذج أعمال قابل للنمو والاستثمار.
وأكدت العلي أن تمكين الشباب من الابتكار وريادة الأعمال ينسجم مع رؤية جلالة الملك عبدالله الثاني وسمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، في الاستثمار بالطاقات الشبابية وتعزيز الاقتصاد الرقمي، لافتة إلى أن الأردن يمتلك مقومات تنافسية حقيقية، إذ يشكل الأردنيون نحو 27% من رواد التكنولوجيا في المنطقة رغم أن سكان المملكة لا يمثلون سوى 3% من سكانها، فيما تبلغ نسبة خريجي التخصصات العلمية والتقنية 22%، وهي من أعلى النسب إقليميًا، الأمر الذي يجعل الإنسان الأردني رأس المال الحقيقي للدولة. كما أشارت إلى أن إنشاء أويسس500 عام 2010 جاء ترجمة لهذا التوجه، بوصفها أول مسرعة أعمال مؤسسية في المنطقة.
واستعرضت العلي نماذج أردنية ملهمة نجحت في تحويل أفكارها إلى شركات ذات حضور إقليمي وعالمي، من بينها محمد الشاكر مؤسس مجموعة طقس العرب التي تخدم اليوم أكثر من 35 مليون مستخدم، وناصر صالح مؤسس مدفوعاتكم التي أصبحت البوابة الوطنية للدفع الإلكتروني في الأردن، إضافة إلى أمجد مسعد مؤسس منصة Replit التي يستخدمها أكثر من 40 مليون شخص حول العالم، وتقدر قيمتها بنحو 9 مليارات دولار، مؤكدة أن هذه النماذج تثبت قدرة الشباب الأردني على المنافسة عالميًا عندما تتوافر البيئة الداعمة للابتكار.
وأضافت أن التجربة الأردنية في ريادة الأعمال تجاوزت الحدود، مستشهدة بقصة نجاح مكتوب التي شكلت أول تخارج تقني عربي كبير بعد استحواذ Yahoo عليها عام 2009 بما يقارب 100 مليون دولار، ثم انبثقت عنها سوق.كوم التي استحوذت عليها أمازون مقابل 580 مليون دولار، وصولًا إلى نجاح Replit كإحدى أبرز الشركات العالمية التي أسسها شاب أردني. كما أشارت إلى أن الأردن أصبح يصنع نحو 75% من المحتوى العربي التقني على الإنترنت، ويضم 27 شركة ناشئة ضمن أفضل 100 شركة ناشئة على مستوى العالم العربي، فيما يسهم قطاع التكنولوجيا بنحو 14% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يعكس المكانة المتقدمة التي وصل إليها الأردن في الاقتصاد الرقمي والابتكار.
وفي ختام ورقتها، أوضحت العلي أن التطورات المتسارعة في تقنيات الذكاء الاصطناعي جعلت إطلاق المشاريع الريادية أكثر سهولة وأقل كلفة من أي وقت مضى، مؤكدة أن الموارد والأدوات أصبحت متاحة للجميع، وأن معيار النجاح لم يعد يرتبط بحجم رأس المال، بل بقدرة الريادي على فهم المشكلة وسرعة التنفيذ وجودة الفريق والرؤية المستقبلية. ودعت الشباب إلى استثمار الفرص المتاحة والانخراط في برامج التدريب والحاضنات والمسرعات، مؤكدة أن المستقبل سيكون لمن يمتلك الجرأة على المبادرة والقدرة على تحويل الأفكار إلى مشاريع مؤثرة
من جانبها، قدمت العين الجاغوب، ورقة بحثية بعنوان "الابتكار والمحتوى الرقمي في التعليم"، تناولت فيها التحول الرقمي في التعليم بوصفه أحد أهم مرتكزات بناء الإنسان والاستثمار في رأس المال البشري، مؤكدة أن التعليم يمثل الاستثمار الوطني الأكثر تأثيرًا واستدامة، لما له من دور محوري في إعداد أجيال قادرة على الإبداع والابتكار والمنافسة وصناعة المستقبل.
وأوضحت الجاغوب أن التحول الرقمي لم يعد يقتصر على إدخال التكنولوجيا إلى الغرف الصفية، بل أصبح تحولًا جوهريًا في فلسفة التعليم وأهدافه، يقوم على الانتقال من نموذج يعتمد على نقل المعرفة إلى نموذج يرتكز على إنتاج المعرفة وتوظيفها في حل المشكلات وابتكار الحلول، بما يعزز التفكير النقدي والإبداعي لدى الطلبة، ويؤهلهم لمتطلبات الاقتصاد المعرفي ومهارات المستقبل. وأكدت أن هذا التحول يحظى باهتمام كبير من القيادة الهاشمية، وانسجامًا مع رؤية جلالة الملك عبدالله الثاني وسمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، في تطوير منظومة التعليم وتمكين الشباب، من خلال دعم المبادرات الوطنية النوعية، والدور الذي تقوم به مؤسسة ولي العهد في إعداد الشباب، وتنمية مهاراتهم، وتعزيز ثقافة الابتكار والريادة لديهم.
وأكدت أن نجاح هذا التحول يتطلب تكامل الأدوار بين مختلف المؤسسات، من خلال تطوير البنية التحتية الرقمية، وبناء سياسات تعليمية داعمة، وتأهيل وتطوير الكوادر التعليمية، وإثراء المحتوى الرقمي، إلى جانب تحقيق العدالة الرقمية بما يضمن تكافؤ فرص الوصول إلى التكنولوجيا الحديثة وأدوات التعلم الرقمي لجميع الطلبة، بصرف النظر عن أماكن إقامتهم أو ظروفهم الاقتصادية، بما يعزز جودة مخرجات التعليم ويكرس مبدأ تكافؤ الفرص.
وأضافت أن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ينبغي أن يكونا أداةً لتعزيز دور المعلم وتمكينه، لا بديلاً عنه، بحيث يبقى المعلم قائدًا وميسرًا لعملية التعلم، في الوقت الذي تسهم فيه التقنيات الحديثة في تطوير أساليب التعليم ورفع كفاءتها. وشددت على أن بناء ثقافة تعليمية قائمة على الابتكار والتعلم المستمر هو الأساس لإعداد أجيال قادرة على مواكبة المتغيرات العالمية.
وفي السياق ذاته، بينت الجاغوب أن التوسع في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي يفرض تحديات لا تقل أهمية عن الفرص التي يتيحها، وفي مقدمتها احتمالات الانحياز الخوارزمي، ومخاطر انتهاك الخصوصية، وضعف السيادة على البيانات، مؤكدة أن الاكتفاء بمدونات السلوك والمواثيق الأخلاقية لم يعد كافيًا لمواكبة هذا التحول المتسارع، بل أصبح من الضروري تطوير أطر تشريعية وتنظيمية حديثة تكفل الاستخدام المسؤول والآمن للذكاء الاصطناعي، وتحمي الحقوق والبيانات، وتعزز الثقة بالتقنيات الرقمية.
واختتمت الجاغوب بالتأكيد أن الأردن يمتلك فرصًا واعدة لتعزيز التعليم الرقمي من خلال الاستثمار في الشباب، وربط التعليم بمهارات الاقتصاد المعرفي، وتمكين الطلبة من مهارات المستقبل، إلا أن هذا التحول يجب أن يسير بالتوازي مع الحفاظ على الهوية الوطنية الأردنية، والانتماء الثقافي العربي، وترسيخ القيم الإنسانية، ليكون الذكاء الاصطناعي وسيلة لتعزيز الهوية والإبداع.